البرنامج النووي المغربي 1 : في انتظار قرار التفعيل

يسود غموض كبير مستقبل المشروع النووي المغربي، في ظل غياب أي معطيات رسمية حول مساره والتاريخ الذي من المقرر أن تبدأ فيه الأشغال.

لإنجاز أول محطة نووية مغربية لإنتاج الكهرباء. فبعد إتمام جميع الدراسات، التقنية والفنية الخاصة بالمحطة النووية «سيدي بولبرة»، الواقعة بين آسفي والصويرة، وعرض المشروع على الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي وافقت عليه كمشروع نوويّ مُوجَّه لأغراض سلمية يروم أساسا إنتاج الطاقة والاستجابة للحاجيات الطاقية المتزايدة للمغرب خلال السنوات المقبلة، فإن المسؤولين عن المشروع، سواء في وزارة الطاقة والمعادن، الوصية على القطاع، أو في المكتب الوطني للكهرباء، الذي أنجز الدراسات اللازمة للمشروع، يتكتّمون على تفاصيل المشروع، خاصة بعد تنامي الاحتجاجات من جانب أنصار البيئة، على خلفية حادث «فوكوشيما» في اليابان.

سعى المغرب، ومنذ أوائل ثمانينات القرن الماضي، وبحكم الخصاص المهول التي تعرفه البلاد في الموارد الطاقية، الذي يفرض عليها تأدية فاتورة طاقية «ضخمة» كل سنة، إلى التفكير في إنشاء محطة نووية لإنتاج الكهرباء، تساهم في خفض كلفة الفاتورة الطاقية للبلاد.
وقد بدأ البرنامج النووي المغربي مع أوائل ثمانينيات القرن الماضي، عبْر إنجاز الدراسات بين سنتي 1982 و1993، والتي أشرفت عليها شركة «صوفراطوم»، الفرنسية، التي اعتبرت في خلاصاتها أن المغرب، بالنظر إلى وضعيته وتطوره الاقتصادي والديموغرافي، سيصبح في حاجة إلى الطاقة النووية في أفق زمني مُعيَّن، وتوقعت الدراسة أن يتوفر المغرب، في سنة 2010، على أول مفاعل نووي، وهو ما لم يحدث.
تلا خطوة إنجاز الدراسات توقيع بروتوكول اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية للتعاون في مجال الطاقة النووية، وقّعه عن الجانب المغربي مصطفى المنصوري وزير التجارة والصناعة والطاقة والمعادن آنذاك، وعن الجانب الأمريكي مارغريت تاتويلر، السفيرة الأميركية السابقة في الرباط، كما بدأ المشروع بإنجاز دراسات بشراكة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي ساهم مهندسوها في الدراسات الطبوغرافية والمناخية والسكانية من أجل إيجاد منطقة مناسبة لإقامة محطة نووية، قبل أن يستقر الأمر على  منطقة «سيدي بولبرة»، الواقعة بين مدينتي آسفي والصويرة، التي من المقرر أن تحتضن المحطة، في حالة اتخاذ القرار السياسي.
وجاءت بعد تحديد الموقع ملائم للمحطة، مرحلة دراسات الجدوى الخاصة بالمشروع الضخم، التي أنجزت بشراكة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبحثت الجوانب التقنية والمالية والاقتصادية للمشروع، إضافة إلى درجة الأمان والحماية التي يمكن توفيرها للسكان المجاورين للمحطة. وتمت صياغة أهمّ الاستنتاجات في تقرير نهائيّ كتبه خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حصلت «المساء» على نسخة منه، وعُرِض في اجتماع الوكالة بين 14 و17 يونيو 2010.
«بولبرة».. حلم مغربي مازال ينتظر
قررت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بعد زيارة خبرائها المغرب، وقيامهم، إلى جانب الخبراء المغاربة في مجال الطاقة النووية، أن منطقة «سيدي بولبرة»، التي تقع على الساحل الأطلسي في منتصف الطريق بين مدينتي آسفي والصويرة، على الضفة الشمالية لمنبع نهر المزار، تعتبر لائقة لإقامة أول مفاعل نووي لإنتاج الكهرباء، وقدّر خبراء الوكالة أن المشروع يمكن أن يشتمل على مفاعلين للطاقة الإنتاجية، لكل واحد منهما ألف ميغاوات.
وتدخل إقامة المشروع في إطار اعتماد سياسة تنويع مصادر الطاقة الأولية وتطوير القدرة على إنتاج الكهرباء، وجاءت موافقة الوكالة بعد قيام المهندسين والتقنيين المغاربة بدراسة مواقع وجدوى أول محطة للطاقة النووية، آخذا في الاعتبار الحقائق الاقتصادية والحاجة إلى تطوير تكنولوجيا المفاعلات النووية، حيث تصبح متماشية مع حجم الاستهلاك الوطني من الكهرباء.
ولم تسجّل الوكالة الدولية أي ملاحظات بشأن أهلية الموقع لتنفيذ المشروع، فهي تدعم بناء المفاعلات المُعَدّة لإنتاج الطاقة الكهربائية كجزء من مشروع الطاقة النووية المغربية في إطار الأغراض السلمية. ويُتوقَّع أن يبدأ العمل بأول وحدة لإنتاج الطاقة النووية في أجل أقصاه 2017، حسب الإستراتيجية الطاقية الوطنية، غير أن خبيرا تحدثت إليه «المساء» أكد أن البداية مرتبطة، أساسا، بالقرار السياسي ببدء الأشغال الأولية في المحطة.
ويتطلب المشروع استثمارا يقارب 15 مليار درهم، ويرجح أن تتولي الشركة الفرنسية «أريفا» توريد المفاعلات النووية المُخصَّصة للاستخدام السلمي في توليد الكهرباء. كما تلقى الطاقم الإداري والتقني ومهندسو الطاقة النووية المغاربة، الذين من المُقرَّر أن يعملوا في المحطة النووية، تداريب في الولايات المتحدة وفرنسا، وفيما انتهى إعداد الجانب التقني للموقع، ينتظر الجميع القرار السياسي لانطلاق المشروع.
انتقادات لموقع المحطة
ما بين 26 و28 شتنبر الماضي، نظمت الجمعية المغربية لتكنولوجيا المفاعلات النووية الندوة الدولية الثانية للفيزياء وتكنولوجيا المفاعلات النووية وتطبيقاتها في مدينة فاس لتدارس آخر الدراسات والتجارب في مجال المفاعلات والهندسة النووية، غير أن الغريب في الأمر أن أي ممثل عن وزارة الطاقة أو المكتب الوطني للكهرباء، اللذين يُعَدّان الجهتين اللتين تشرفان على متابعة المشروع النووي المغربي، لم يحضرها، رغم توصلهما بدعوة من الجمعية المنظمة، التي لم تستوعب قرار المقاطعة، لأنهما كانا يحضران، بشكل مستمر الأنشطة العلمية التي كانت تنظمها الجمعية، وهو ما اعتُبِر محاولة للتهرب من إعطاء أي معطيات رسمية حول مآل البرنامج النووي المغربي، بعد الحادث الأخير الذي عرفته اليابان.
وذكر مختصون التقتهم «المساء»، في سياق هذا التحقيق، أن المعطيات المناخية التي استُعمِلت في الدراسة التي قدمت إلى وكالة الطاقة الذرية حول مشروع محطة «بولبرة» اقتصرت على تلك المسجلة خلال الفترة 2008 في احتساب عدد من الخاصيات المهمة المتعلقة بالسلامة، كـ «وردة الرياح» وسرعة ومدى إمكانية انتشار أي تلوث نووي في المنطقة. والمعروف أنه يجب احتساب هذه المعطيات المناخية التي يتم احتسابها استنادا إلى إحصائيات تشمل عشرات السنوات وليس سنة واحدة، حتى تكون النتائج دقيقة.
كما تظهر الدراسة التي أنجزت بمنطقة سيدي بولبرة أن المعطيات الديموغرافية الواردة في الدراسة المُوجَّهة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية تأخذ بعين الاعتبار الإحصائيات السكانية في دائرة قطرها 100 كيلومتر، إذ يبلغ عدد السكان 360 ألف نسمة، والغريب هو توقف هذه الدائرة على أبواب آسفي والصويرة، حتى لا تشمل الدراسة سكانها، لأن عدد السكان سيرتفع إلى حوالي 750 ألف نسمة..
وقد استُعمِلت في المعايير التي اتُّبِعت في اختيار موقع «سيدي بولبرة» المعايير الجاري بها العمل في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. وفي الواقع، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار كون إمكانيات المغرب ليست هي إمكانيات الدول التي تستطيع إخلاء مساحات شاسعة في ساعات قليلة، إذا ما تعرضت المحطة النووية لأي حادث نتج عنه تسرب إشعاعي، كما حدث في محطة «فوكوشيما» اليابانية مؤخرا.
ومن الغريب أن بعض الجداول في الدراسة الديموغرافية تُظهِر أنه لن تطرأ على الكثافة السكانية حول الموقع أي زيادة لمدة عشر سنوات بين 2010 و2020، وستنقص هذه الكثافة السكانية في بعض المواقع، وهو ما يطح علامات استفهام حول أرقام الكثافة السكانية الواردة في الدراسة، اللهم إذا ما كان سكان المنطقة سيبتعدون عن الموقع، لخوفهم من المخاطر المُحتمَلة من وجود محطة نووية.
وظهر أن تواجد المحطة السياحية «الصويرية القديمة» على بعد 18 كيلومترا من الموقع أن يُشكّل، لوحده، عائقا أمام قبول هذا الموقع. وكلنا نعلم أن هذه المحطة تشهد توسعا عمرانيا كبيرا وسكانها ليسوا كلهم سكانا موسميين، كما تُقدّمهم الدراسة بل هناك عدد لا يستهان به من السكان المقيمين. وتقول الدراسة إن هذه المحطة ليست موجودة في الاتجاه الرئيسي للرياح، والواقع أنها توجد بالضبط في اتجاه الرياح، استنادا إلى الدراسة ذاتها.
تمت الدراسة الأولية التي اختير على ضوء نتائجها الموقعُ قبل العام 1990، وبعد ذلك التاريخ، أنشئت الطريق الساحلية التي جلبت الكثير من السكان إلى المنطقة، التي كانت في الأصل معزولة وذات كثافة سكانية ضعيفة، ما يطعن في هذا الاختيار.
واستنادا إلى هذه المعطيات على المسؤولين المغاربة أن يعيدوا النظر في اختبار موقع المحطة النووية والاتجاه نحو الجنوب، بالقرب من مدينة سيدي إفني، للعثور على مواقع أقل من ناحية الكثافة السكانية ولا تحتوي على أراضٍ زراعية يمكن أن تتلوّث بالإشعاع، في حالة وقوع أي تسرُّب إشعاعي من المحطة، وكذلك، على اعتبار أن منطقة آسفي التي من المقرر أن تقام بها المحطة النووية تعرف كثافة سكانية متوسطة وتعاني أصلا من الثلوت الكيميائي المرتبط بتوجد مصانع المكتب الشريف للفوسفاط.
فرصة صينية ضائعة
كان المغرب، وبتعاون مع الصينيين، قريبا، في سنة 1998، من إطلاق مشروع رائد لتحليّة مياه البحر، تشتغل على الطاقة النووية في منطقة طانطان من خلال مفاعل بقدرة 10 ميغاوات. وقد اشتغل على المشروع فريق من الباحثين المغاربة المختصين في التكنولوجيا النووية ونظرائهم الصينيين، الذين حلوا بالمغرب من أجل تقديم الخبرة والتكنولوجيا اللازمة، غير أن المشروع توقف بقرار سياسي. ويحكي مصدر من اللجنة المغربية للخبراء التي أشرفت على الدراسات الخاصة بمحطة طانطان أنها كانت في حال إنشائها ستكون مثالية في منطقة شمال إفريقيا وأن الصينيين كانوا مستعدين لأنْ يمُدّوا نظراءهم المغاربة بجميع التكنولوجيات المتعلقة بالمحطة المذكورة وأن يضمنوا لهم تكوينا عاليا في الصين وتمويلا مناسبا يتلاءم والقدرات المالية للبلاد، على اعتبار أن الصينيين كانوا يبحثون لهم عن موطئ قدم في المغرب لمنافسة الفرنسيين والأمريكيين على السوق المغربية، ولذلك قدّموا تسهيلات مغريّة، غير أن احتجاجات الجارة الشمالية على إقامة المحطة النووية في طانطان «جمّدت» المشروع، وهو السبب الذي ظل يوسف الطاهري، وزير الطاقة والمعادن آنذاك، يُصرّ على نفيه بشكل مطلق، على اعتبار أن قرار التخلي عن إنجاز محطة طانطان كان مغربيا ولا علاقة له بضغوط خارجية، سواء كانت إسبانية أو فرنسية، على أساس أن الفرنسيين كانوا يريدون الحصول على أي صفقة لإنجاز محطة نووية مغربية.
النووي.. طاقة نظيفة
تظهر المقارنة الاقتصادية للطاقة النووية في إنتاج الكهرباء بتكنولوجيا الكاربون أن الخيار النووي أكثر إفادة للتطبيق من الناحية البيئية في حالة عدم وقوع حوادث تسرُّب إشعاعي، وكذلك من الناحية الاقتصادية والكلفة المالية على المدى البعيد، إذا ما قورنت بالطاقة الأحفورية، الناتجة عن الفحم الحجري والنفط، الذي لا يمكن لأحد التكهن بأسعاره في المستقبل، وتختارها الدول لما لها من مميزات تتمثل، أساسا، في تدنّي كلفتها المالية في إنتاج الكهرباء مقارنة بباقي مصادر الطاقة الأحفورية، وكذلك لكونها أقل تلويثا، إذ لا ينبعث منها ثاني أوكسيد الكربون، الذي يعتبر من أهمّ الملوثات الصادرة عن محطات إنتاج الكهرباء عبر إحراق الفحم الحجري. ويبقى تدبير النفايات النووية هو الذي يطرح مشكلا وتحاول الدول أن تقلل من تأثيره السلبي على البيئة، غير أن الدول الغربية ابتدعت طرقا ووسائل علمية لحفظ هذه النفايات في بطن الأرض، بعيدا عن المواطنين.
وتسعى الدول التي لا تتوفر على طاقة نووية للأغراض السلمية إلى امتلاكها، أما البلدان التي تمتلكها فتعمل على تطويرها في مجالات تخدم مصالحها وتجعلها متفوقة دائما في هذا المجال عالي التقنية، والذي يتطلب كثيرا من الدقة والحذر في التعامل معه. ولم يتمَّ وضع اللمسات الأخيرة لاعتبارات قانونية وتنظيمية، فالحكومة تقوم حاليا بإعداد النصوص القانونية اللائقة المطلوبة لتغطية دور وهدف المفاعلات النووية وإطار تشغيلها، الذي عُرِض على البرلمان وما يزال ينتظر الموافقة عليه.
أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية العديدَ من المنشورات التي توضّح، بشكل مفصّل، متطلبات الدول العربية للاستفادة من الطاقة النووية مع الجدول الزمني لتنفيذها، بالتلازم مع ضرورة تطوير القدرات البشرية خلال مختلف مراحل التنفيذ. يقترح في إطار هذا المشروع الذي يمثل المرحلة الأولى في التحضير لبرنامج الطاقة النووية في الدول العربية، التركيز على النقط المرتبطة بتعزيز البنية التحتية عبر تخطيط الطاقة وتقدير تطور الطلب النهائي على الطاقة والكهرباء وفق سيناريوهات ترتكز إلى التطور السكاني والاقتصادي والتقني المتوقع وصياغة إستراتيجية التزود الأمثل لمجابهة الطلب المستقبلي وتقييم سياسات الطاقة وفق معايير التطور المستدام لقطاع الطاقة وتطوير خطط التوسع المثلى لأنظمة التوليد الكهربائية، مع تبيان الدور الحقيقي للخيار النووي ضمن المزيج الطاقي.
وبخصوص دراسات الجدوى المتعلقة باستعمال الطاقة النووية، أكدت المنظمة أنها يجب أن تنْصبَّ على الجوانب التقنية والاقتصادية ومتطلبات الأمان النووي الهندسي وآلية التزود بالوقود، كما يجب أن تضمّ دراساتٍ أوليةً حول متطلبات الموقع، تتضمن الشروط الجيولوجية والهيدرولوجية والمناخية والبنية التحتية للموقع، وتشمل الطرقات وشبكات الكهرباء ووسائل الاتصال الأخرى والخدمات الفنية للأبنية المساعدة، إضافة إلى الطرح الإشعاعي المسموح به، بالنظر إلى الكثافة السكانية المجاورة واتجاه الرياح، إضافةً إلى تأثير ذلك على المنابع المائية المجاورة، كالأنهار والبحيرات، وجاهزية الطوارئ، عن طريق إجراء عمليات المحاكاة الافتراضية بين عدة مواقع لاختيار أفضلها لإقامة المحطة.
معارضة أنصار  البيئة 
جعل حادث «فوكوشيما» النووي، الذي تجاوز عدد ضحاياه 9 آلاف شخص الأصوات المعارضة للخيار النووي، التي كانت محتشمة داخل المغرب، تظهر إلى العلن من خلال إنشاء «تنسيقية لرفض الخيار النووي في المغرب».
وقدّرت لجنة السلامة النووية في اليابان الخسائر الناجمة عن الحادث النووي بـ53.864 مليون أورو، وقالت اللجنة إن تفكيك 4 من المفاعلات سيتكلف ما يقارب 10.846 ملايين يورو، في حين دفع تعويضات تقدر بـ37.852 مليون يورو.
وتعمل تنسيقية رفض الخيار النووي على التوعية بالأخطار البيئية الكبيرة للمحطة التي أعلن عن إقامتها في منطقة «سيدي بولبرة». وتَعتَبر التنسيقية أن الطاقة النووية، وبخلاف ما يُروِّج له مناصروها، غير نظيفة، لأن مُخلَّـفاتها من اليورانيوم لا يمكن التخلص منها بعد مئات السنين. كما أن أي محطة نووية حتى إذا لم يُسجَّل فيها أي حادث تطلق إشعاعات نووية سامة تؤثر على الهواء والماء والمحيط الطبيعي.
وتعتَبر التنسيقية أن من شأن المحطة النووية المغربية لإنتاج الكهرباء، في حال إقامتها، أن تؤثر على السياحة في مدينة الصويرة، التي تعتبر من أهمّ المدن السياحية للمملكة، لأنْ لا أحد من السياح الأجانب مستعد للاستجمام إلى جانب محطة نووية..
وتُفـنّد التنسيقية ما تصفه بادعاءات الطاقة النووية الرخيصة من ناحية التكلفة، إذا ما قورنت بباقي الطاقات الأحفورية، وتشدد على أن تكلفة إقامة محطة نووية والإشراف عليها وصيانة وحداتها وتأمينها مرتفعة بكثير، مقارنة بتكلفة باقي الطاقات المُستعمَلة اليوم في البلاد.
وتعبر التنسيقية عن عدم تفهمها سعي بعض المسؤولين المغاربة إلى التوجه نحو الطاقة النووية في الوقت الذي تسعى كثير من الدول المتقدمة، بعد حادث «فوكوشيما»، إلى التخلي التدريجي عنها وتستعيض عنها بالطاقات المتجددة، كالطاقة الشمسية، التي يتوفر منها المغرب على إمكانيات هائلة طيلة السنة، تُمكّنه، في حالة استغلالها بالشكل المطلوب، من تلبية حاجياته وتصدير الفائض، رغم ضخامة الموارد اللازمة لتمويل مثل هذه المشاريع الضخمة.

ترسانة قانونية تنتظر   المصادقة
من المُفترَض أن يبت البرلمان الجديد في القانون المتعلق بالأمن والسلامة في المجالين النووي والإشعاعي وفي إحداث وكالة مكلفة بمراقبتهما، والتي تعتبر الإطار المشرف على أي مشروع نووي. ويعتبر متخصصون، تحدثت إليهم «المساء»، أن مشروع إنتاج الطاقة الكهربائية بواسطة محطة نووية الذي يسعى المغرب إلى إنجازه كان ينتظر فقط الترسانة القانونية اللازمة.
وقد نصَّ مشروع القانون الجديد، الذي حصلت «المساء» على نسخة منه، على إنشاء مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية وبالاستقلال المالي، تتولى مراقبة جميع المؤسسات والأنشطة النووية والمواد المشعّة تحت اسم «وكالة الأمن والسلامة في المجالين النووي والإشعاعي»، خاضعة لوصاية الدولة في ما يتعلق بمدى احترامها القانون أثناء تأديتها المهامَّ المنوطة بها.
ويدير الوكالةَ مجلسُ إدارة يتألف من ممثلين عن الإدارة وشخصيات معروفة بكفاءتها العلمية والتقنية والقانونية في ميدان الأمن والسلامة في المجالين النووي والإشعاعي، تُعيَّن من لدن الإدارة لمدة أربع سنوات، ويشترط القانون ألا تكون للشخصيات المعينة في مجلس إدارة الوكالة أي مصلحة في هيأة مكلفة بتشجيع الطاقة النووية أو استعمالها.
وتتمثل مهام الوكالة، إلى جانب مراقبة الجوانب المتعلقة بالأمن والسلامة في المجالين النووي والإشعاعي والضمانات وعدم الانتشار، ولاسيما في ما يخص الرخص والتصاريح والاعتمادات والتفتيش والمراقبة، في اقتراح النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالأمن والسلامة في المجالين النووي والإشعاعي على الحكومة، إضافة إلى إبداء الرأي حول مشاريع النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بهذا المجال وتقديم الاستشارة للسلطات الحكومية حول القضايا المتعلقة بالأمن والسلامة في المجالين النووي والإشعاعي ونشر دلائل قواعد حسن الممارسة، تُوجَّه إلى المستغلين عند الحاجة، ووضع نظام وطني لمحاسبة الموارد النووية ومراقبتها.
كما منح مشروع القانون الوكالة مهمة مساعدة الإدارة في وضع وتطبيق نظام وطنيّ لحماية المادية للمواد النووية والمنشآت النووية ووضع سجلّ وطني للمواد المشعة ومصادر الإشعاعات، ومساعدة الإدارة في وضع وتطبيق النظام الوطني للتدخل، إلى جانب ربط علاقات التعاون مع الهيآت المماثلة في بلدان أخرى والمنظمات الدولية والإقليمية ومساعدة الحكومة في المفاوضات الدولية في مجالات اختصاصها والمشاركة بطلب من الحكومة في تمثيل المغرب داخل الهيآت الدولية المعنية.
كما تتولى الوكالة الجديدة مهامّ اتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل إخبار العموم بشأن المراحل التنظيمية والجوانب المتعلقة بأمن الأنشطة المُرخَّص بها وتشجيع إرساء ثقافة الأمن والسلامة على مستوى المنشآت والأنشطة ووضع قائمة بالرخص المسلمة والتصاريح المودعة وفقا لأحكام القانون، إضافة إلى اليقظة الدائمة في ما يخص الأمن والسلامة في المجالين النووي والإشعاعي والضمانات وعدم الانتشار.
ومنع المشرّع خلال مشروع القانون المذكور إضافة مواد مُشعّة في صنع المواد الغذائية ومواد التجميل والسلع والمنتجات ذات الاستعمال المنزلي والخاص ومواد البناء، كما منع استعمال المواد المشعّة في صناعة اللعب.
كما منع المشرّع على المُستورِدين والمُصدّرين المغاربة استيراد النفايات المُشعّة وتصديرها نحو دول يحظر تشريعُها استيرادها أو لا تتوفر على وسائل تشريعية وتنظيمية وتقنية وإدارية تمكّنها من تدبير النفايات المشعة.
  

المركز الوطني للطاقة والتقنيات النووية
أحدث المركز الوطني للطاقة والعلوم والتقنيات النووية، الذي يبعد ببضع كيلومترات عن العاصمة الرباط، سنة 1986، وهو مؤسسة عمومية ذات طابع علمي وتقني وصناعي وتجاري، تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وتوجد تحت وصاية وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، ويديرها مجلس إداريّ يترأسه الوزير الأول.
 وفي انتظار المصادقة على مؤسستين تنظيميتين مكلفتين، على التوالي، بالأمن النووي والسلامة الإشعاعية تتولى وزارة الطاقة والمعادن مراقبة المنشآت النووية، في حين تتكفل وزارة الصحة، في ما يخص الوقاية من الأشعة عبر المركز الوطني للوقاية من الإشعاع النووي.

لجن استشارية تنتظر القرار السياسي
في إطار السعي إلى وضع الآليات القانونية والتنظيمية للمشروع النووي لإنتاج الكهرباء، أنشئت لجنة استشارية أخرى للأمان النووي قبل اللجنة الدائمة بمرسوم، كان على رأسها المكي برادة وعضوان دائمان، تجتمع من أجل إعداد تقارير استشارية كلما تلقّت وزارة الطاقة والمعادن طلبا للترخيص للحصول على مواد مشعة، وانعقد آخر اجتماع لها في سنة 2007.
كما أنشئت، في سنة 2000، إبان حكومة التناوب التي قادها عبد الرحمان اليوسفي، لجنة دائمة لمتابعة القضايا النووية، ترأسها السفير المغربي السابق في فيينا اشتغلت لمدة سنة على مشروع قانون حول الطاقة النووية، كما اشتغلت لمدة ثلاث سنوات على قانون مُوحَّد حول المسائل النووية، وكانت لجنة استشارية على مستوى الوزارة الأولى.

الخبير في الطاقة النووية أكد أن المغرب يمكنه تطوير اليورانيوم الذي يحتوي عليه الفوسفاط لإنتاج الطاقة النووية
البروفسور  الراضي: المغرب مؤهل لإقامة مشروع الطاقة النووية
-هل تعتقد أن الطاقة النووية ستخفّف الأعباء الطاقية للمغرب؟
< قبل الإجابة عن سؤالك، أعتقد أنه يجب أن نُذكّر، أولا، بوضع الطاقة في المغرب، فالحصيلة الطاقية للبلاد تؤكد أن المغرب يعتمد على أكثر من 95 في المائة على وارداته من المواد الطاقية.
وحتى مع الجهود الكبيرة التي بُذِلت لتطوير الطاقة المتجددة (الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والمياه) فإن هذه الأخيرة لا تمثل، في أحسن الأحوال، 40 في المائة من الكهرباء المولدة في أفق العام 2020، وهذا يعني أن ما لا يقل عن 60 في المائة من حاجيات البلاد من الكهرباء سيتم استخراجها من الوقود الأحفوري المستوردة، في حال عدم اللجوء إلى الطاقة النووية.
ويمكن أن أقول إن هناك أسبابا تدعو إلى استخدام الطاقة النووية في أفق 2020 2025- من أجل تنويع مصادر الطاقة في البلاد، لأن الاستمرار في توليد الكهرباء من الطاقات الأحفورية فيه استنزاف، خاصة أن أثمان المواد الأولية تعرف ارتفاعا متزايدا داخل السوق الدولية. أما السبب الثاني الذي يستدعي اللجوء إلى الطاقة النووية فيتمثل في أنها، وبخلاف الطاقات المولدة من المواد الأحفورية، لا تنبعث منها الملوثات، وخاصة غاز ثاني أوكسيد الكاربون، وبالتالي ستساهم في الحد من مشكلة الاحتباس الحراري التي تُهدّد البيئة.
ويتمثل العامل الثالث لاستعمال الطاقة النووية في وجود احتياطات ضخمة من اليورانيوم تكفي لعدة قرون، ولدى المغرب كميّات كبيرة من اليورانيوم في الفوسفاط، وسيساهم إدخال الطاقة النووية في التنمية الصناعية والتكنولوجية في البلاد من خلال تحفيز قطاعات صناعية مختلفة.

-هل المغرب مؤهل اليوم من الناحية التقنية لإنجاز محطة نووية؟
< أعتقد أن المغرب من الناحية التقنية مُؤهَّل بشكل جيّد لإطلاق مشروع للطاقة النووية لإنتاج الكهرباء، وهناك عدد من الشروط يجب على أي بلد يريد أن يقيم محطة نووية توفيرها، من بينها التوفر على ترسانة قانونية خاصة تُنظّم هذا النوع من الأنشطة، إضافة إلى التوفر على سلطة مستقلة مسؤولة عن السلامة النووية والحماية من الإشعاعات، والتوفر على المعرفة والمهارات اللازمة لإقامة هذا النوع من المشاريع وتوفير مرافق للتدريب والبحوث في مجال التكنولوجيات النووية، وهو ما قام به المغرب مؤخرا من خلال إنشائه الوكالة الوطنية للسلامة النووية والحماية من الإشعاع، وأعتقد أن جميع الظروف مناسِبة فيه المغرب لإقامة محطة نووية لإنتاج الكهرباء.

-هل يتوفر المغرب على العنصر البشري المدرب لتسيير منشآت نووية؟
< لقد شرع المغرب، ومنذ سبعينيات القرن الماضي، في تكوين أطر في المجال النووي، ولدينا اليوم عشرات المهندسين في مجال الذرّة وعشرات الدكاترة من المتخصصين في فيزياء المفاعلات النووية الذين يشتغلون داخل المغرب وفي الجامعات الأجنبية، وفي المكتب الوطني للكهرباء، وهم أطر يتوفرون على تكوين عالٍ ملائم للمرحلة التي يوجد فيها المغرب اليوم، والتي تستلزم إعداد دراسات الجدوى والدراسات الاقتصادية والتكوين والبحث العلمي في مجال التكنولوجيات النووية واختيار أنواع المفاعلات وإجراء الدراسات حول المواقع المرشحة.
ويجب أن أشير إلى أن الانتظار الطويل لإقامة مشروع للطاقة النووية في المغرب لسنوات عديدة أدى إلى انخفاض عدد الطلبة المقْبِلين على دراسة هذا التخصص بسبب انعدام فرص الشغل داخل المغرب، وفي السياق ذاته، حتى الأطر العليا المغربية التي تكونت في هذا النوع من التخصص تفضل الهجرة إلى الخارج، حيث تتمكن من شغل مناصب مهمة، خاصة في فرنسا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية.
أما بالنسبة إلى الفنيين والمهندسين الذين سيعملون في المحطة النووية، فما يزال لدينا مُتَّسَع من الوقت لتدريبهم في إطار العقد الذي سيُبرَم مع الشركة المصنّعة للمفاعل الذي سيعمل داخل المحطة، ويجب أن نعرف أن الأمر يستغرق، في المتوسط، ​​عشر سنوات بين الشروع في بناء المحطة وتشغيلها.

-لماذا تأخر البرنامج النووي المغربي لإنتاج الكهرباء، في نظرك؟
< هناك سببان رئيسيان لهذا التأخير، الأول تقني بحت يرتبط بأن قدرة شبكة الكهرباء الوطنية منخفضة، إذ يصل إجماليُّ الطاقة الإنتاجية اليوم ما يقارب 5000 حتى 6000 ميغاواط، وهي نسبة ضئيلة بالنسبة إلى بلد يصل عدد سكانه إلى 30 مليون نسمة، ومع ذلك، فإنه لا يُنصَح، من الناحية التقنية، بإدخال وحدة إنتاجية تفوق طاقتها من 10 في المائة من الطاقة الإجمالية للشبكة، وحيث أن الطاقة الانتاجية للمحطة النووية من النوع المؤكد  تقنيا واقتصاديا قادرة على المنافسة، فإن شبكة الطاقة الكهربائية الوطنية لن تتحمل محطة للطاقة النووية إلا عندما يصل حجمها إلى 10 آلاف ميغاواط، والتي من المُتوقَّع بلوغها مع حلول العام  2020.
أما السبب الثاني فيرتبط بانخفاض القدرة على الاستثمار بالنسبة إلى المغرب، لأن بناء محطة للطاقة النووية يتطلب تمويلا ضخما (حوالي 3 مليارات يورو لمحطة لتوليد الكهرباء بقوة 1000 ميغاوات) التي تتجاوز بكثير قدرات المغرب، وهو ما يستدعي ضرورة طلب تمويلات أجنبية، كما وقع مع الطاقة الشمسية.
-هل يمكن الاعتماد على اليورانيوم الموجود في الفوسفاط المغربي في البرنامج النووي المغربي؟
< في الواقع، يمكن للمغرب تطوير اليورانيوم الذي يحتوي عليه الفوسفاط لاستخدامه في برنامجه النووي لإنتاج الطاقة، ومع ذلك فإن اليورانيوم الطبيعي المُستخرَج من الفوسفاط يجب أن يخضع لعمليات تخصيب وتصنيع عناصر الوقود في البلاد التي تتوفر على التكنولوجيا العالية المطلوبة للتخصيب، قبل أن يصير ممكنا استخدامُه في المحطات النووية، ولا بد أن أشير هنا  إلى أن المكتب الشريف للفوسفاط وقّع، في 2007، اتفاقا مع مجموعة «اريفا» الفرنسية لبناء محطة تجريبية لاستخراج اليورانيوم من الفوسفاط، إلا أن كل من المجموعتين اختارت عدم التواصل حول هذا الموضوع، وليس لدينا الآن أي معلومات بشأن التقدم المحرز في هذا المشروع.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s